الشيخ محمد علي طه الدرة

409

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

يا قاتل المسلم بالكافر * جرت وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها * من فقهاء النّاس أو شاعر جار على الدّين أبو يوسف * بقتله المسلم بالكافر فاسترجعوا وابكوا على دينكم * واصطبروا إنّ الأجر للصّابر أقول وباللّه التوفيق : لو أقيمت الحدود الشّرعية في هذه الأيام ؛ لوجب قتل المسلم بالكافر ، والسّبب في ذلك تغيّر الأوضاع الاجتماعية ، كما لا يخفى . فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي : سمح بأن تنازل وليّ المقتول عن بعض حقّه ، أو تنازل عن قتل القاتل إلى أخذ الدّية ، وفي ذكر أَخِيهِ تعطّف ، وتلطّف داع إلى العفو ، وإعلام من اللّه تعالى لعباده المؤمنين بأن القتل لا يقطع أخوّة الإيمان بينهم . فَاتِّباعٌ أي : فمطالبة من العافي ، أو المتنازل عن بعض حقّه للقاتل . بِالْمَعْرُوفِ : باللطف ، والرّفق . وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي : وعلى القاتل الذي تنازل له وليّ المقتول عن بعض حقّه أن يؤدّي ما عليه بإحسان ؛ أي : بلا بخس للحقّ ، ولا مطل ، ولا خداع . ذلِكَ : إشارة إلى الحكم المذكور من جواز القصاص ، والعفو عنه إلى الدّية ، أو إسقاط بعضها . تَخْفِيفٌ : تسهيل ، وتيسير . مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ أي : من اللّه تعالى بكم حيث وسع في ذلك ، ولم يحتّم واحدا منهما ، كما حتم على اليهود القصاص ، وعلى النصارى الدّية ، لا يجوز لكلّ ملّة منهم أن تأخذ بغير ما فرض اللّه عليها ، وفي هذا تضييق على كلّ من وليّ المقتول ، والقاتل ، وقد خير اللّه هذه الأمة بين القود ، والدّية ، وأيضا العفو تيسير عليها ، وقال تعالى في آية المائدة بعد ذكر القصاص : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ فندب إلى رحمة العفو ، والصدقة . فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ أي : بأن قتل وليّ المقتول القاتل ، أو تعرّض له بسوء بعد أخذ الدية ، أو بعد العفو عنه . قال الحسن البصريّ - رحمه اللّه تعالى - : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا ؛ فرّ إلى قومه ، فيجيء قومه ، فيصالحون بالدّية ، فيقول وليّ المقتول : إنّي أقبل بالدّية ، حتّى يأمن القاتل ، ويخرج ، فيقتله ، ويرمي إليهم بالدّية . واختلف فيمن قتل بعد أخذ الدية ، فقال جماعة من العلماء ، ومنهم : مالك ، والشّافعي : هو كمن قتل ابتداء ، إن شاء الولي قتله ، وإن شاء عفا عنه ، وعذابه في الآخرة . وقال قتادة ، وعكرمة ، والسّدي ، وغيرهم : عذابه أن يقتل ألبتّة ، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو . وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا أعفي من قتل بعد أخذه الدّية » . وهذا دعاء عليه ، أي : لا كثر ماله ، ولا استغنى ، ولا أعفاه اللّه من عذاب الآخرة . وفي سنن الدّار قطني عن أبي شريح الخزاعي - رضي